السيد محمد حسين الطهراني

277

نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت

وكان الروم - في المقابل - في غاية الضعف والوهن ، فقد خسروا جميع البلاد التي حكموها ولم يبقَ في أيديهم سوى شبه جزيرة القسطنطينيّة . وكان البلغاريّون يهاجمونها من الشمال ، ولم يكن لها من ثروة ولا خزينة . تكذيب المشركين لخبر غلبة الروم على إيران وكان خبر تغلّب الروم على الإيرانيّين ممتنعاً بلحاظ الأسباب الظاهريّة ، وكان ذلك الخبر أمراً لا يُصدّق من جميع الجهات بالنسبة إلى الكفّار والمشركين ، لذا فقد كذّبوا هذا الخبر القرآنيّ أيضاً ، وحملوه على سائر ادّعاءات محمّد صلّى الله عليه وآله . « 1 »

--> ( 1 ) - ولقد كانت هزيمة إيران غير مترقّبة وبعيدة حسب الأسباب الظاهريّة ، بحيث لا يمكن تعليلها إلّا بالإرادة الحتميّة للحقّ تعالى لانقراض حكومة برويز الجائرة ولملمة بساط عدوانه ، لأنّ احتلال الممالك التي كانت خاضعة للروم لم يحصل دفعةً واحدة ليكون فقدانها أمراً ميسوراً ، فقد احتلّت إيران تدريجيّاً طوال مدّة أربع عشرة سنة فلسطين والشام وآسيا الصغرى ( تركيا ) ، وسيطرت جيوشها على تلك المناطق سيطرةً تامّة . ثمّ انتزعوا مصر من أيدي الروم ، فصاروا القوّة العظيمة الوحيدة في العالم . ولولا أنّ الإرادة الإلهيّة لم تقدّر حوادث غير مترقّبة ، لانقرضت مملكة الروم بصورة كاملة ؛ أشبه بما فعله الإسكندر المقدونيّ بإيران من قبل . وكان من بين التأييدات الإلهيّة - كما يقول مشير الدولة في كتاب « إيران باستاني » إنّ احتلال كالسدون كان محالًا للروم ، ولكن ما إن اصطفّ الجيشان مقابل بعضهما حتى هبّت الريح على جيش إيران ، وكانت تعصف بالغبار والحصى والحشائش في وجوه الجيش الإيرانيّ ممّا صعّب عليهم مواجهة عدوّهم ، فاجترأ عليهم الروميّون وهزموهم . ينقل كريستِنْسِن في « تاريخ ساسانيان » عن كتاب « التاج » للجاحظ . أنّ شهر براز قائد الجيش الإيرانيّ استلم رسالتين متضادّتين من كسرى أبرويز ، فخشى كيد برويز فلحق بهرقل وسهّل له تقدّمه حتى بلغ النهروان . وهذه بأجمعها دلائل على أنّ غلبة الروم كانت أمراً غير مترقّب ، وأنّها لا يمكن أن تُعزى إلّا إلى التأييد الإلهيّ . ويمكن استفادة هذه الحقيقة من الآية القرآنيّة ، حيث تقول أوّلًا . لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ، ثمّ تقول . يَنصُرُ مَن يَشَآءُ . أي أنّ الأمر كان نصراً إلهيّاً على أساس انحصار الأمر في يده تعالى ، فقدّر سبحانه الظفر والنصر للروم .